مقالات وآراء

حوكمة الحوارين الوطني والشعبي في مصر

حوكمة الحوارين الوطني والشعبي في مصر

بقلم د. سمير الوسيمي

 

pdf لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

لا يخفى على أي متابع للشأن المصري حالة الانسداد السياسي التي تهيمن عليه منذ 2013م وحتى اليوم في ظل هيمنة عسكرية على جميع مسارات الحياة المصرية، السياسية والاقتصادية والإعلامية والفنية وغير ذلك من المسارات والمجالات.

 

لكن في أبريل 2022م أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعوة تحت عنوان “وطن يتسع الجميع” تم في إثرها إطلاق ما تم تسميته بـ “الحوار الوطني” حيث تم تكليف إحدى الجهات التابعة لرئاسة الجمهورية وهي “الأكاديمية الوطنية للتدريب” للقيام بالمهام اللوجستية والتنظيمية والتنسيقية ذات العلاقة بهذا الحوار وتم تكليف منسق عام للحوار وهو نقيب الصحفيين ضياء رشوان وأمانة فنية ذات دور تنظيمي لوجستي معلوماتي ومجلس أمناء مكون من 19 شخصية، وبدأت جلسات هذا الحوار الوطني في الأسبوع الأول من يوليو 2022م وسط تشكيك من المعارضة المصرية بالخارج فيه بأنه شكلي وصوري ويتسم بعدم الجدية لأنه مكمل لشكل السلطة الحالية ولا يضم كل التيارات وعلى رأسها الإسلامية منها مثل الإخوان والجماعة الإسلامية وبعض السلفيين وكثير من تيارات تشكل معارضة الخارج التي تضم ليبراليين ويساريين وباحثين وأكاديميين وشخصيات عامة من مستقلين وغيرهم.

وفي المقابل في 23 يوليو 2022م أعلن بعض الرموز المنتمين إلى المعارضة المصرية في الخارج يتقدمهم د. أيمن نور –رئيس اتحاد القوى الوطنية المصرية (بالخارج)–، والدكتور محمود وهبة –اقتصادي ورجل أعمال مصري يعيش في أمريكا–، والأستاذ الدكتور ممدوح حمزة –خبير واستشاري الهندسة المدنية والناشط السياسي الذي يعيش في لندن– بالتعاون مع تيارات ومجموعات سياسية وتكنوقراط من المصريين بالخارج، أعلنوا عن إطلاق حوار شعبي وحددوا له 3 محاور هم السياسي والاجتماعي، والاقتصادي والإصلاح المالي، والتنمية الشاملة والأمن القومي المصري، إضافة إلى العديد من اللجان الفرعية المنبثقة عن تلك المحاور.

 

وبالنظر إلى هاتين الدعوتين سواء الأولى التي سُميت “الحوار الوطني” (رسمي تابع للدولة) أو الثانية والتي أطلق عليها “الحوار الشعبي” (غير رسمي تابع لبعض قوى المعارضة في الخارج)، فإنه يجب أن تتحقق في تلك الدعوات مفاهيم الحوار وكذلك الوطنية والشعبية لتكون لها من أسمائها نصيب. ومن ثم أتصور أنه بدون وضع نظام فوقي يمثل حوكمة لتلك الحوارات لتتسم بالرشد، فإننا سنكون أمام مكلمات جديدة وتضييع للجهود والأوقات والموارد والفرص والآمال، وسيفقد الشعب الأمل الذي قد يراه لاح في الأفق في فتح باب لعودة السياسة، فالأمل يحتاج أن يكون مبنياً على أساس المشاركة وليس الخداع، وعلى أساس مفهومي العملية والتطبيق وليس الشكلية والمظهرية، وبهدف الخروج بمصر من الأنفاق المظلمة التي منيت بها على مدار عشرات السنين.

 

ولهذا أردت المشاركة في التعاطي إيجاباً مع تلك الدعوات عن طريق وضع تصور لبعض المبادئ والمفاهيم والمعايير الهامة والتي أرى أنها قد تمثل إطاراً لحوكمة تلك الحوارات حيث يمكن للشعب والمراقبين والمتابعين اعتبار ذلك معياراً للتقييم ومقياساً لقياس مدى جودة تلك الحوارات عليه، وهذا المبادئ كالتالي:

 

  • جودة بيئة الحوار

ويقع عبء تحقق هذا المعيار على السلطة والمعارضة معاً، حيث المقصود أن توفر السلطة بيئة إيجابية داعمة للحوار بإيقاف ملاحقة المعارضين، والإعلان عن عدم تطبيق أي أحكام إعدام في القضايا ذات الطابع السياسي منذ يوليو 2013م وحتى اليوم، وإيقاف تطبيق نظام المراقبات الأمنية في حق المفرج عنهم في تلك القضايا، والتوقف عن الحملات الإعلامية التي تسمم المزاج العام في مصر، والإفراج عن السيدات المعتقلات حتى ولو كانوا ظاهرياً محبوسين على ذمة قضايا، وكذلك جميع من هم في فترات الحبس الاحتياطي، وبعض الرموز السياسية من جميع التيارات كبادرة خير لدعم جودة البيئة المصاحبة للحوار.

كما يتطلب هذا المعيار قيام المعارضة بإيقاف الحملات الإعلامية ضد السلطة والبدء في إطلاق حملات دعم الحوار لتنقية الأجواء وتأهيل الشعب وتوعيته بدوره في حماية تلك الحوارات ومراقبتها وتوجيه دفتها للصالح العام، ويدخل في ذلك وضع خطة لنشر ثقافة الحوار ونبذ الفرقة والخلاف على أرضية حقوق ومصالح الجميع.

 

  • الشفافية

يتطلب هذا المعيار الإفصاح الكامل عن البيانات والمعلومات ذات العلاقة بالحوارات الجارية، والموضوعات والقضايا التي تتم مناقشتها، والجهات المشاركة، ورفع أي مستوى من مستويات السرية والخصوصية عن تلك الحوارات وجلساتها ومخرجاتها ولجانها ومسؤوليها.

 

  • النزاهة

ويسعى هذا المعيار إلى تحقيق مستوى نزاهة المشاركين والفاعلين ومن تم تكليفه لمهام تتعلق بعملية إدارة الحوارات وحفظ مدخلاته ومخرجاته، وألا يرتبط هذا التكليف بمطعون في سمعتهم وسيرتهم أو منحازين انحيازات تضر بالحوارات وبضمان عدم ميلها لاتجاه دون آخر.

 

  • الرقابة

تخضع تلك الحوارات إلى رقابة داخلية ورقابة خارجية عبر جهات ونظم تضمن سير الحوارات وفق المخطط له ووفق ما يحقق المصلحة العامة للمجتمع المصري، ويتم ضمان حيادية وحماية عالية المستوى للجهات والنظم التي تقوم على الرقابة لضمان استقلاليتها وعدم توجيهها ناحية السلطة أو حتى ناحية اتجاهات بعينها في التيارات المعارضة.

 

  • التوافق وتغليب المصلحة العامة

يسعى معيار التوافق (توافق الآراء) إلى توفير أعلى درجة من درجات توافق الآراء مع صعوبة حدوث ذلك في قضايا قد تبدو ملتهبة، لكن مع تغليب المصلحة العامة تضاف بنية وسيطة قوية ومرنة حتى يمكن تحقيق المصالح العليا للمجتمع بأسره. ويعد كل من جلسات الاستماع العلنية والاستفتاءات العامة ومنتديات النقاش والحق القانوني للمواطنين في تقديم الالتماسات للمسؤولين حول آليات السياسة والتشاور أمثلة على وسائل العمل من أجل الوصول إلى توافق في الآراء أو إلى حل وسط على الأقل.

 

  • توسيع المشاركة

لأننا نتحدث عن حوارات وطنية وشعبية فإنه يلزم لتحقيق ذلك أن تكون الحوارات ذات طابع واسع في المشاركة بحيث لا يتغيب عنها أحد إلا لأسباب قهرية أو مسألة تتعلق بالأمن القومي، وهي أمور لا أراها واقعة في مصر الآن في ظل مناكفات سياسية واجتماعية يمكن تجاوزها بالحقوق ورد المظالم، والحوار والنقاش المستمرين، ومن ثم فإن استبعاد أو إقصاء أحد لا يستفيد منه المجتمع، وإنما الاستفادة تتحقق بتوسيع المشاركة دون استثناء، على أن تشمل المصريين في الداخل والخارج، والرجل والمرأة، والمسلمين والمسيحيين، والأزهر والكنيسة، والسلطة والمعارضة، والمدنيين والعسكريين، والطلاب والمهنيين والعمال، أهل الحضر وأهل الريف والصعيد، أهل النوبة، أكاديميين وتكنوقراط ومستقلين بشكل عام، ونعني بذلك المصريين بكل فئاتهم وطوائفهم من غير استثناء ولا إقصاء ولا تهميش.

 

  • تحييد الأيديولوجيا

يسعى هذا المعيار إلى عدم تغليب الأيديولوجيات –بما فيها التوجهات العسكرية والأمنية والدينية وغيرهم– على مائدة حوارات تسعى إلى إحداث توافق وتسوية وتهدئة على مستوى وطن عانى من الفتن والانسدادات لفترات طويلة، ولا مخرج لذلك إلا بوضع القضايا الوطنية العامة قبل الأيديولوجيا التي قد توجه أتباعها إلى التعنت والانسداد والتسلط دون مخرج إلى طريق الأمل الوطني المأمول تحقيقه.

 

  • العملية والتطبيق

يجب أن تكون جميع الفعاليات المصاحبة للحوارات ذات طابع عملي تطبيقي وليست مجرد شعارات جوفاء أو أمور شكلية وسطحية لا يمكن تحويلها إلى تشريعات ونظم ومواثيق ومشروعات وبرامج تخرج بالوطن من حالته المأزومة إلى رحابة الاتفاق والتوافق والتسوية التي ينعم فيها الجميع بالحرية والقدرة على الحركة والحقوق التي أقرتها المواثيق والقيم الإنسانية العالمية والشرائع السماوية كذلك. ويدخل في ذلك وجوب وضع قائمة بأولويات الموضوعات التي ستناقشها الحوارات والأجندة التنفيذية لمدة الحوار وخطته واعتماد ذلك.

 

  • الفعالية والكفاءة

ويعني هذا المعيار الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمالية والتكنولوجية وغير ذلك؛ بغرض حسن تناول الموضوعات ذات العلاقة بالمجتمع وطرق تلبية احتياجاته على حساب أي حسابات خاصة للسلطة فقط أو لفئات دون غيرها.

 

  • الاستجابة والمساءلة

يعني هذا المعيار بوضع آليات تضمن الاستجابة لاحتياجات المجتمع من تلك الحوارات التي يتم تنظيمها، من حيث الاستماع للآراء المتنوعة وضمان وصول صوت المواطن والجهات المختلفة إلى إدارة وجلسات تلك الحوارات، ومن ثم يضمن المعيار في شقه الثاني وجود مستوى من مستويات المساءلة يمكن أن تكون عبر جهات الرقابة لضمان وضع أولوية الاستجابة لاحتياجات المجتمع دون تجاهل أو تهميش أو تغليب مصالح على مصالح أخرى مثل: أغلبية على أقلية، أو أغنياء على فقراء، أو حضر على ريف، وغير ذلك من الأمور التي تضمن نظم الرقابة والمساءلة عدم وقوعها أو التضييق عليها ومحاصرتها إلى أدنى مستويات حدوثها.

 

يتضح لنا من المبادئ والمعايير أعلاه حاجاتنا الشديدة لما يضمن قياس مدى جودة الحوارات الجارية وجديتها ونفعها، وذلك يتطلب بالفعل نظاماً فوقياً يمكن للمجتمع وللمتابعين وللمراقبين جميعاً أن يقفوا على معايير واحدة لتقييم تلك الحوارات، أو محاولة توجيهها لتحقيق العوائد المرجوة منها.

 

لست من المتفائلين على طول الخط ولا من المتشائمين على طول الخط، ولست من المتجاهلين للعوامل المصاحبة -التي منها تصورات السلطة أو القَبْليَات الموقفية والفكرية التي تحدد تصورات الأطراف جميعاً-، ولكني مؤمن بالدور الذي يمكن أن نلعبه جميعاً في دفع الوطن والمؤسسات والمنظمات إلى الرشد ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ولهذا جاء مقالي وتستمر محاولاتي دائماً.

 

pdf لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

————————————————————–

عضو أكاديمي بالمعهد الأوروبي لحوكمة المؤسسات ECGI

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى