حياة الناس

معضلة البلطجة في مصر (1)

خفايا عالم البلطجة والمسجلين خطر في مصر

معضلة البلطجة في مصر

أثارت حادثة مقتل مريم التي اشتهرت بـ “فتاة المعادي” في مصر غضبا واسعاَ، إذ لقيت مريم حتفها دهساً أسفل عجلات ميكروباص، إثر محاولة سرقتها بالقوة في حي المعادي بالقاهرة.

تطالعنا الأخبار كل عام بعدة جرائم أحد أطرافها “بلطجي” تثير الرأي العام وتشعل الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، حول مدى عمق ظاهرة البلطجة في مصر، وكشفت واقعة مقتل الشاب محمود البنا العام الماضي في المنوفية على يد 3 متهمين، وتبعها جريمة شبرا التي راح ضحيتها الشاب «أحمد سودة» على يد بلطجية بسبب دفاعه عن صديقه؛ عن تفشي جرائم البلطجة في مصر بشكل كبير، وفي 2018 أثار مقتل الشاب الطبيب، محمود بيومي، على يد بلطجية فى مطعم وكافيه شهير فى منطقة النزهة بمصر الجديدة، جدلا وغضبا جديداً.

معضلة البلطجة في مصر
معضلة البلطجة في مصر

في أغسطس 2012، ألقت الشرطة القبض على صبري حلمي حنا الشهير بـ “نخنوخ” داخل فيلته بمحافظة الإسكندرية، برفقة عدد كبير من البلطجية بحوزتهم كمية من الأسلحة، وصدر في حقه حكم بالسجن لمدة 25 عاما لاتهامات تتعلق بحيازته أسلحة وحيوانات مفترسة، وثلاث سنوات أخرى في قضية تعاطي مواد مخدرة، لكن في 2016 صدر عفو رئاسي عنه، بموجب حكم تحصل عليه من المحكمة الدستورية العليا في فبراير 2016. يذكر أن “نخنوخ” ارتبط بعلاقة وطيدة مع نظام مبارك، إبان انتخابات مجلس الشعب في عام 2000، وكان يملك مكاتب لتوريد البلطجية في مناطق البساتين والمهندسين والهرم وفيصل، الذين واستخدمهم النظام في تأمين صناديق الانتخابات، وتسويد البطاقات لمصلحة مرشحي الحزب الوطني المنحل.

يبلغ عدد المسجلين خطر فى مصر، مليونا و244 ألفا و680 فى جميع فئات الجرائم، وأبناؤهم محرومون من دخول المدرسة، وفقا لبيان إدارة الأمن العام المرصود بعدما أصدر اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الأسبق، فى حكومة “الجنزورى” قرارا بتنقية جداول المسجلين خطرا بجميع فئات التسجيل “أ، ب، ج” المستويات التى يرتقى فيها المسجل خطرا وفقا لتكرار الجريمة، نظرا لارتفاع عددهم بشكل ملحوظ عقب الثورة، حيث كان قبلها لا يتعدى نصف المليون، وفقا لدراسة مركز البحوث الجنائية بوزارة الداخلية عام 2010.

وبحسب تقرير أصدرته وزارة الداخلية، لمعدلات الجريمة في مصر خلال 2018، متضمن ترتيب محافظات الجمهورية بحسب معدلات الجريمة، تصدرت القاهرة والجيزة والقليوبية والغربية والدقهلية التقرير كأكثر المحافظات ارتفاعًا لمعدلات ارتكاب الجرائم، وجاءت مدن الرحاب و6 أكتوبر والبساتين والمعادي والشيخ زايد والمرج والسلام على رأس القائمة.

وأرجع التقرير أسباب ارتفاع معدلات الجرائم إلى انتشار الأسلحة النارية، والإفراج عن عدد كبير من العناصر الإجرامية، وشيوع ظاهرة العنف الاجتماعي، والتأثيرات الناجمة عن الأعمال الفنية من الأفلام والمسلسلات وانعكاسها على تقليد المواطنين لها، والظروف الاقتصادية والمتغيرات المحيطة بالدولة، وظهور أنماط جديدة للجريمة، وتكوين تشكيلات عصابية جديدة من الشباب العاطلين، وسهولة تنفيذ البعض لجرائم السرقات بسبب قصور المواطنين في وسائل تأمين ممتلكاتهم، وغياب الوعي الاجتماعي والثقافي، واستغلال البعض للحرب التي تخوضها الدولة على الإرهاب.

كما تطرق التقرير أيضًا إلى ارتفاع معدلات الجريمة خلال الـ3 سنوات الماضية، حيث احتلت مصر المركز الثالث عربيا في عام 2016، والمرتبة الخامسة وفقا لموقع موسوعة قاعدة البيانات «نامبيو»، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2017، كما أكد التقرير الصادر عن قطاع الأمن العام في الحصاد السنوي للجهود الأمنية، ارتفاع مستوى الجرائم بنسبة 5% في 2015، وبنسبة 7% في 2016، و10% مطلع 2017، بالإضافة إلى زيادة ملحوظة في عام 2018، حيث زادت 5٪ عن العام الماضي مع القبض على مرتكبي الجرائم والبحث عن آخرين هاربين.

معضلة البلطجة في مصر
معضلة البلطجة في مصر

 

التوظيف السياسي للبلطجة

التوظيف السياسي للظاهرة كان الدليل الأكبر على مدى خطورة البلطجة في مصر، حيث قدًر الباحث بجامعة كمبريدج، حازم قنديل، في دراسة له في 2011 أن الشرطة كانت في عهد مبارك تستعين بمليون ونصف المليون من البلطجية والمرشدين بشكل غير رسمي، لتتوارث الأنظمة اللاحقة التركة كاملة،

وتعد “موقعة الجمل” في فبراير 2011، أحد أبرز الشواهد على استخدام البلطجة السياسية، وذلك حينما استدعى بعض فلول نظام مبارك، عشرات من البلطجية والمجرمين والخارجين عن القانون، لإخلاء ميدان التحرير وإنقاذ النظام الذي كان يوشك على السقوط في هذا الوقت، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد سقوط جهاز الشرطة في 28 يناير أو ما عرف بـ”جمعة الغضب.

لم يختلف نظام السيسي عن مبارك في الاستعانة بالخارجين عن القانون لتصفية حسابات خاصة مع خصوم سياسيين، وكان النصيب الأكبر من حظ الصحفيين، ففي مايو 2015، نددت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، بالاعتداء على الصحفي محمد عبدالعليم داود، المرشح لانتخابات مجلس الشعب في هذا التوقيت، حيث اتهم شقيقه بتعرضه لأكثر من اعتداء على أيدي بلطجية تابعين للأمن بسبب مواقفه السياسية.

وفي إبريل 2016 اتهمت النقابة ذاتها السلطات الأمنية بالاستعانة بـ”البلطجية” في الاعتداءات المتكررة على أعضائها أثناء تغطية الفعاليات الصحفية، وطالبت في بيان لها وزارة الداخلية، بـ”التحقيق” في الأمر، خاصة وأن هذه “الاعتداءات “ليست الأولى من نوعها خلال الفترة الأخيرة”.”

وكانت مؤسسة حرية الفكر والتعبير قد وثقت عدداً من الوقائع لاعتداءات بلطجية تمت بصحبة قوات الأمن كان من بينها ما حدث في إبريل 2014 حين هاجمت مجموعات من البلطجية تظاهرات طلاب كلية الطب بالقصر العيني بصحبة قوات الأمن، وفي نوفمبر 2013 اقتحمت مجموعة من البلطجية جامعة المنصورة واشتبكت مع الطلاب بوجود قوات الداخلية، وفي النصف الثاني من ديسمبر 2013، اقتحمت قوات الأمن ومعها مجموعة من البلطجية حرم جامعة أسيوط لفض تظاهرة طلابية.

معضلة البلطجة في مصر
معضلة البلطجة في مصر

تنامي البلطجة النسائية

أصبحت البلطجة لا تقتصر على الرجال فقط، بل هناك بلطجيات يمارسن نفس المهنة، ويشتهرن بأسماء مختلفة، ويتم طلبهن لمهمات خاصة، ويتراوح سعر الواحدة منهن حسب الاسم الذي تحمله ويشير لقوتها وقدراتها البدنية والنفسية. أشارت إلى ذلك الدراسة الجنائية الميدانية عن البلطجة، فقد ارتفعت أسعار البلطجية من النساء ارتفاعاً كبيراً خلال انتخابات عام 2010، إذ تجاوزت نسبة 200 % عن تلك الأسعار السائدة في سوق البلطجة، قبل الانتخابات.

يمثل دخول العنصر النسائي أبرز مستجدات ظاهرة البلطجة في مصر، فلقد أكدت نفس الدراسة على وجود سيدات تحترف مهنة البلطجة، و توسع وانتشار “البلطجة النسائية ” في المجال السياسي، كما كشفت أن المرأة اقتحمت هذا المجال بقوة لافتة للنظر، وجميعهن من المسجلات خطر في سجلات الشرطة، خاصةً في المناطق العشوائية، ويزدهر سوق البلطجة النسوي في أوقات الانتخابات، للقيام بحماية لافتات ومؤتمرات المرشح وضرب المرشح المنافس والاعتداء على أنصاره وافتعال المشاجرات لمنع مؤتمراته وتقطيع صوره وإطلاق الشائعات بهدف إسقاطه، وأحياناً يقمن بتحصيل مستحقات أو ديون لأشخاص ضعفاء لا يقدرون على ذلك، وهناك بلطجة نسائية خاصة برجال الأعمال، وخاصة بأصحاب العقارات لطرد السكان، وأخرى خاصة بمشكلات الأزواج، ومشكلات الميراث، وأخيرة خاصة بالخصومات الشخصية.

قوانين انتقائية التنفيذ

في أكتوبر 2019 أصدر مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، قرارا بإحالة بعض الجرائم من النيابة العامة إلى محاكم أمن الدولة طوارئ، وتضمنت هذه الجرائم التجمهر وتعطيل المواصلات والترويع والتخويف والمساس بالطمأنينة “البلطجة” والجرائم الخاصة بشئون التموين وجرائم الأسلحة والذخائر.

وفي فبراير الماضي تقدم عدد من نواب البرلمان المصري، بمشروع قانون بشأن مكافحة أعمال البلطجة، أحاله رئيس مجلس النواب، على عبد العال، إلى لجنة مشتركة من لجنتي الشئون الدستورية والتشريعية والدفاع والأمن القومي، وجاء في مقدمة القانون التمهيدية: “كل مواطن على مدار يومه تعرض لبطش هذه الظاهرة على الأقل في أبسط صورها عند فرض أحدهم أن تدفع مقابل انتظار سيارتك، وكأنه امتلك الشارع وغيرها الكثير من الأمثلة”. ويشمل المقترح عدة تعديلات في طبيعة العقوبات الجنائية، وإنشاء وحدات خاصة لتعقب البلطجية داخل وزارة الداخلية، ووضع البلطجية تحت المراقبة بعد الافراج عنهم، وغيرها من المواد.

ويعد قانون رقم 58 لسنة 1937، هو القانون الرئيسي التي تعتمد عليه مصر في مواجهة البلطجة التي جاء تعريفها بالأفعال التي من شأنها الترويع والتخويف والمساس بالطمأنينة وحدد القانون العقوبات الناتجة عن هذه الأفعال.

المتأمل لتنامي ظاهرة البلطجة داخل المجتمع المصري ومراقبة رد فعل النظام السياسي والحكومة، سوف يرى بوضوح انتقائية في تنفيذ القوانين بين تشديد وتراخي وبين توظيف للظاهرة لخدمة أهداف سياسية، ليبقى المجتمع في النهاية هو ضحية موازنات لا يعرف عنها شيئا!

هموم واهتمامات الشباب في مصر (2)

وعود الحكومة للشعب.. أين تذهب أموال المواطنين؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى