حياة الناس

ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري (1)

أجيال ما بعد الثورة (1)

ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري

منذ ثورة يناير 2011 اهتم الكثير من الباحثين بدراسة الظواهر الاجتماعية التي طرأت على المجتمع في مصر “ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري”  واستمرت تداعياتها إلى الآن، لكن منذ انقلاب يوليو 2013 أصبحث الظواره الجديدة في أوساط الشباب المصري أكثر رواجا إعلاميا، وأكثر صخبا وجدلا في تناولها، مثل الاكتئاب والإلحاد والانتحار وتأخر سن الزواج وغيرها من الظواهر الطارئة.

في عام 2016 صنفت منظمة الصحة العالمية مصر في المركز الأول عربيا لعدد حالات الانتحار مسجلة 3799 حالة انتحار متفوقة بهذا العديد من مناطق الحروب. وهو ما نفته وزارة الداخلية المصرية التي أشارت في تقاريرها الأمنية أن معدلات الانتحار الموثقة رسميًا في مصر لم تتجاوز حاجز الـ 310 حالة سنويًا، وأن ما تم ذكره ليس لديها معلومات بشأنه.وفي ابريل 2018 نشرت وزارة الصحة مسحا قوميا أظهر أن ربع سكان مصر يعانون من أمراض نفسية وأن 2% من الشباب بتعاطون المخدرات.

ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري
ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري

حاولت الكثير من المؤسسات البحثية تحليل أسباب انتشار الإلحاد في أوساط الشباب المصري خاصة في سنوات ما بعد الثورة، وقال تقرير صحفي أن عاملان أساسيان يمكن النظر إليهما باعتبارهما المشكّل الأساسي لنمو ظاهرة الإلحاد وسط الشباب، الأول هو نشوء نزعة التمرد على كافة السلطات؛ السياسية منها والروحية والأبوية، أما الثاني فهو تنامي حالة الإحباط العام التي سادت بعد فشل ثورة 25 يناير وما صاحب ذلك من شعور بالاغتراب وفقدان للمعنى وضياع للهوية بين الشباب المصري. وبحسب المؤشر العالمي للأديان والإلحاد بمركز «ريد سي» فإن32.4٪ من ملحدي مصر في الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنةو36٪ في الفئة العمرية (25- 34 سنة)، كما أن 73.8٪ من الملحدين ذكور و26.2٪ نساء.

في مايو 2019 قام باحثون بـ “مجموعة التحفيز السياسي” بدراسة استقصائية لعينة عشوائية من الشباب المصري المقيم بمصر، شملت العينة ثلاثة وعشرين شابا وفتاة ممن أطلقوا على أنفسهم “ملحدين” بمحافظتي القاهرة والاسكندرية، بينهم اثنين من المسيحيين الملحدين، وتركزت مقابلات المسح الاستقصائي على البحث عن الأسباب الدافعة للإلحاد بشتى محاورها، كما قام باحثونا بتحليل نصوص إعلامية مرئية ومقروءة تناولت مواجهة الملحدين، لمعرفة شكل الخطاب المضاد لظاهرة اإلحاد وكيف يعالجه المؤثرين والمنافذ الإعلامية وغيرها.

ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري
ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري

وخلصت نتيجة الدراسة إلى جملة من الملاحظات أهمها:

  • لا يعترف كثير من الملحدين بالقيم والحدود الأخلاقية المجتمعية، حيث يعتقدون أن كل فرد حر في سلوكه ما لم يضر غيره من الأفراد.
  • لم يقر كثير من المبحوثين بالإلحاد صراحة، وإنما تراوحوا ما بين اللاأدرية واللادينية واللااكتراثية.
  • لا يمثل الملحدون من الإسلاميين السابقين أغلبية الملحدين، كان كثير من المبحوثين من أسر متدينة أو كانوا متدينين سابقًا .
  • توجد العديد من مجموعات الملحدين على موقع فيسبوك، ولكنها غير نشطة في أغلبها، وتسمح المجموعات بالنقاشات بين الدينيين واللادينيين، وإن كانت أغلب منشوراتها استهزاء بالدين الإسلامي خصوصًا، والافتقار إلى نقاشات أو أسئلة فلسفية عميقة، حيث تشيع في المجموعات منشورات إما لشيوخ أو رموز دينية، أو لأسئلة استنكارية. ويلاحظ تكرار نفس المنشورات في أكثر من مجموعة في نفس الوقت تقريبًا، وكذلك تكرار نفس الشبهات حول الإسلام.
  • جميع البرامج التليفزيونية يمكن تصنيفها تحت بند التنوير، حيث لا يوجد برنامج يعرض محتوى إلحاديًا أو يجهر به بشكل مباشر.
  • توجد آلاف من صفحات الإلحاد والتنوير والصفحات التي تروج للشذوذ، لكن أغلب هذه الصفحات لا يتم التفاعل معها بشكل كبير، سواء الصفحات الكبيرة أو الصغيرة من حيث عدد الإعجابات. ويُلاحظ محتوى هذه الصفحات تنويري وغير إلحادي بشكل مباشر، ويتم التركيز على القضايا والمعاني الإنسانية ونقد الأديان بشكل غير مباشر.
  • لا يوجد نمط Lifestyle واحد خاص بالشباب الملحدين، إلا اجتماعهم في قهاوي وسط البلد بشكل شبه يومي، وكذلك الأماكن التي تتقبل جميع الأفكار والاختلافات، خاصة الأماكن الثقافية والفنية.
  • يتضح في كثير من المقابلات أنه لم يكن هنالك توجه ذاتي للإلحاد، بل هو توجه خارجي له علاقة بدخول مجتمع منفتح أو مجتمع مختلف الهويات، يرتبط هذا التواجد بمستثير مجتمعي مثل الثورة مثلًا فيدفع الشخص للتشكك والتساؤل.
  • يتضح من خلال المقابلات دور الأسرة في هذا التوجه، إما بعدم الممانعة من اتجاهات أبنائها، أو على العكس باعتباره دافعًا للإلحاد من خلال التسلط الذي أشار له كلا الطبيبين في كلامهما، أو من خلال الدور التربوي الذي تلعبه الأسرة بتشكيل وعي وأفكار أبنائها.
  • يتضح بعض الضغط المجتمعي على المبحوثين، فمنهم مثلًا من يستخدم تعريف نفسه بشكل ديني مغاير للفهم الديني السائد وعدم الاعتراف صراحة بأنه ملحد خوفًا من الوصم، وبمثال آخر أحد المبحوثات تتحدث عن فعلها أي شيء في العلاقة طالما لا يمس بكارتها رغم عدم ارتباطها بأي مقدس، ولكن خوفًا من الوصمة المجتمعية.
  • يتضح أن التعامل مع الممارسات الدينية خلال فترة التشكك أو بعدها يأخذ عدة صور، منها: عدم ممارسة للشعائر المنصوص عليها في الدين أو ارتكاب معاصٍ معينة، ومع ذلك التشبث بتعريف النفس مسلمًا، على أنه مسلم بحسب فهمه الخاص، ومنها عدم ممارسة الشعائر والاستعاضة عنها بممارسات أكثر تقريبًا للإله بحسب تعبيرهم وشعور روحي مختلف كاليوجا والتأمل مثلًا، ومنها عودة لممارسة شعيرة ما -كالصلاة مثلًا- حين الحاجة أو الخوف رغم التشكك أو اللاأدرية لأنها بحسب تعبير أحد المبحوثات هي الطريقة الوحيدة التي تعرفها للتواصل مع الإله.
ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري
ظاهرة الإلحاد في المجتمع المصري

في فبراير 2019، أثار الفيلم الوثائقي التي بثته الجزيرة تحت عنوان “في سبع سنين” موجة كبيرة من الجدل، حيث أثار الفيلم التغيرات التي طرأت على الشباب بعد الثورة، منهم فتيات بدأن من فكرة سلفية وانتهين إلى الإلحاد، ومنهم شباب بدأ من عضوية جماعة الإخوان وانتهى به الحال ‏إلى الإلحاد. والبعض الآخر ابتدأ من السلمية وانتهى إلى حمل السلاح مع الجماعات المقاتلة في سوريا أو سيناء.‏

وانقسمت ردود الفعل تجاه ظاهرة الإلحاد بين التهوين والتهويل، بين اتهام الملحدين كمرضى، وبين تسويق الإلحاد كحل أو على الأقل كمبرر. وفي كل الأحوال فقد ألقى الفيلم حجرا في الماء الراكد، طرح الأسئلة الكثيرة ولم تكن الإجابات كافية، وهو ما يتطلب بحوثا أعمق في تحليل الظواهر التي طرأت على أجيال الشباب من بعد الثورة و الانقلاب.

بين البطالة ومشاكل الزواج والمخدرات والإلحاد وغيرها من التحديات.. ينشأ جيل الشباب في مصر بين مخالب بيئة اقتصادية واجتماعية مضطربة.. وهو ما يطرح سؤال “السلطة” ومسئوليتها تجاه هذه الأوضاع !

مستقبل الخصوصية الإلكترونية في مصر

حالة الإصلاح التجاري في مصر

احترام الإنسان وحقوقه (1)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى